السيد علي الحسيني الميلاني

10

نفحات الأزهار

فإذا تدبر العاقل للأحاديث الصحيحة الثابتة عند هؤلاء وأمثالهم ، عرف الصدق من الكذب ، فإن هؤلاء من أكمل الناس معرفة بذلك ، وأشدهم رغبة في التمييز بين الصدق والكذب ، وأعظمهم ذبا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهم المهاجرون إلى سنته وحديثه والأنصار له في الدين ، يقصدون ضبط ما قاله وتبليغه للناس ، وينفون عنه ما كذبه الكاذبون ، وغلط فيه الغالطون ، ومن شركهم في عملهم علم ما قالوه ، وعلم بعض قدرهم ، وإلا فليسلم القوس إلى باريها ، كما يسلم إلى الأطباء طبهم ، وإلى النحاة نحوهم ، وإلى الفقهاء فقههم ، وإلى الحساب حسابهم ، وإلى أهل العلم بالأوقات علمهم " ( 1 ) . فهذا الكلام صريح في أن " يحيى بن معين " ممن كملت خبرته ، وكبرت معرفته ، بحال النبي صلى الله عليه وآله وحديثه ، وأن ما صححه صدق ، وأنه لا بد من تسليم أمر التمييز بين الصدق والكذب إليه . . . فلماذا يقف هذا الموقف تجاه حديث مدينة العلم الذي ثبت تصحيح يحيى ابن معين إياه ؟ وهل هذا إلا تهافت ؟ وأيضا ، فإن من رواة حديث مدينة العلم هو " أحمد بن حنبل " ، وقد عرفت من كلمات ابن تيمية ثنائه على أحمد أيضا ، إذ قد ذكره في عداد أئمة الحديث ونقدته وحفاظه . . . لقد روى أحمد بن حنبل حديث مدينة العلم في فضائل ومناقب سيدنا أمير المؤمنين عليه السلام بطرق متعددة ، أفهل يعقل أن يروي أحمد حديثا موضوعا بطرق عديدة ، ويعده من فضائل علي عليه السلام ، وهو ومصنفاته على تلك الجلالة والعظمة التي وصفه بها ابن تيمية ؟ ولو كان حديث أنا مدينة العلم من الموضوعات لجعل ابن تيمية مصنفات

--> ( 1 ) منهاج السنة 4 / 252 .